فوزي آل سيف
89
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
وراء ذلك مقدارًا من المال، فيكتب التقرير أو يمضي العمل، حتى لا تمضي غير فترة قصيرة، ينتهي الأمر بالبناية أو البيت أن يسقط على رؤوس ساكنيه! والمشكلة الأكبر في تقديرنا ليست هي الخيانة والسرقة فقط، وإن جلت وعظمت، وإنما بالإضافة لذلك هي ثقافة مدح الخيانة.. طبعا لا يقوم أصحابها بالقول إن الخيانة حسنة! فلا أحد يقبل ذلك! وإنما يغيرون عنوانها، فيقال هذه شطارة.. ويقال لصاحب المنصب الجديد: خليك شاطر! او تعلّم من أين تؤكل الكتف! وأن فلان استطاع خلال فترة قصيرة أن يصنع له ثروة عظيمة! وفي هذا من التلميح ما يغني عن التصريحات! مع أن تغيير العنوان لا يغير من الواقع شيئًا، الخيانة وأخذ ما ليس بحق يبقى خيانة وسرقة وأمرًا محرمًا، ولو وضعت عليه عشرات اللافتات! وأكل الكتف إن كان حلالًا ومن مالك فهو ممدوح! وإن لم يكن كذلك فهو عمل محرم وقبيح وسرقة.. ولا يختلف عن عمل اللصوص في شيء! وبناء الثروة إن كان من خلال الجهد والكسب النظيف فهو ممتاز ويثنى على صاحبه ويقدم كنموذج، وأما لو كان بالطرق الملتوية، والدروب المحرمة، وأكل ما ليس بحق فهو كسابقه في الحرمة واللصوصية! 3/ هل من الممكن أن نتورط في خيانة الأعمال مع أننا لسنا مدراء ولا أصحاب شركات ولا وكلاء تسويق؟ الجواب: نعم! كل شخص من الممكن أن يكون وفيًا بعقده مع جهة عمله ومن الممكن أن يكون خائنًا! فإذا كان الاتفاق بيني وبين جهة عملي أن أكون في محل الدوام والعمل ما بين الثامنة صباحًا إلى الثانية ظهرًا.. لكني آتي للعمل في التاسعة وأخرج بعد الصلاة في الثانية عشر لجلب الأولاد من المدارس ثم حيث لم يبق إلا القليل من الوقت لا يستحق الأمر الرجوع إلى مقر العمل، فأتركه.. هذا مع تخلل وجبة الافطار والشاي وما يتبع ذلك أثناء هذه الفترة ولا ينسى أيضًا فترة الصلاة وما قبلها من الاستعداد لها! سوف ترى أن هذا الإنسان لا يفي بأكثر من 50% من عقد عمله! ومع ذلك يريد أن يستلم راتبه كاملًا ولو نقص منه ريال واحد أقام الدنيا ولم يقعدها! ألا يعد هذا من خيانة العهد والعقد الموقِّع؟ وخصوصا إذا كان الأمر يرتبط بإنجاز حاجات المسلمين وقضاياهم! إن مثل هذا بحسب القواعد لا يأكل ماله بالحق وإنما يأكل بالباطل. والقرآن الكريم يقول (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ). والأعجب حين يتصور هذا الموظف نفسه متفضلًا على من يراجعه، بأنه سينجر معاملته! والحال أن من يراجعه هو المتفضل عليه، فلولا حاجات الناس هذه لما كان لهذا الموظف عمل يدر عليه المال، ويحميه من البطالة! وأقرب كلمة على لسان البعض منهم: راجعني غدًا. أو بعد اسبوع! مع أنه لا يحق له ذلك شرعا! الواجب عليه أن يؤدي عمل هذا المراجع ما دام ليس مشغولًا بعمل أسبق منه أو أهم منه! وأما لأنه لا يريد اليوم إنجازه وإنما يريد فعل ذلك غدًا مع وجود وقت لديه، وإمكانية في القيام به، فهذا أيضًا يحرم عليه! وهو خيانة للعقد الموقع بينه وبين طرف العمل. وللأسف نلاحظ هذه العادات السيئة عند بعض الموظفين! وكأنه يمن على من يراجعه عندما يقوم بعمله! أو حتى يطلب من بعض الناس مالًا في مقابل القيام بذلك العمل! فإنه يأخذ هذا المال حرامًا وسحتًا!